He can't escape from ICC- لن تهرب من مصيرك
Darfur,s Videos and pictures
Globle TVS and Radios
Important News
google feebook
Friday, 11/07/2014

د. منصور خالد : تناقض السودانين (The Paradox of Two Sudans

د. منصور خالد : تناقض السودانين (The Paradox of Two Sudans)
ناصف بشير الأمين
ما يميز كتابات د. منصور خالد ويبرز بصمته الخاصة هو لغته الإنجليزية الرفيعة و معرفته الموسوعية وإمساكه بجذور إزمات السودان المتداخلة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية و على رأسها أزمة غياب المشروع الوطنى و فشل مهمة البناء الوطني: فشل النخبة التي خلفت المستعمر في مركز السلطة في بناء سودان ديمقراطي علماني موحد على أساس قاعدتي المواطنة وإحترام التنوع و تحقيق العدالة وإنهاء دورة العنف والإحتراب والتمييز. و الكتاب الذي بين أيدينا يمثل أفضل نموذج لهذا التميز الأسلوبي و الفكري و التحليلي. مقدمات الفشل المتراكم وقصر نظر النخبة السياسية و عقليتها التميزية المتحيزة، منذ الإستقلال، هي التي قادت، مع وصول الإسلاميين الى الحكم و فرض برامج الأسلمة القسرية و الجهاد ضد المواطنين و التمكين السياسي و الإقتصادي للنخبة الحاكمة على نحو شامل، الى نتائجها المنطقية: تقسيم البلاد و إرتكاب جرائم الإبادة الجماعية ضد شعوب الهامش و تعميق حدة الإنقسامات المجتمعية على أسس إثنية وجهوية و ثقافية والإنهيار الإقتصادي والإفقار الشاملين، وبات استمرارها يهدد بمزيد من التقسيم والإحتراب كحال يوغسلافيا السابقة. من خلال صلب هذه التناقضات ونهج الفشل و صناعة الكوارث و الأزمات الذي أدمنته النخبة السياسية منذ الإستقلال و خطاباتها السياسية المعطوبة و المتحيزة يبرز الكتاب في مقابل ذلك كله رؤية السودان الجديد التي طورها د. جون قرنق دي مبيور كترياق مضاد للسودان القديم و علله، عقلياته، خطاباته و ممارساته
.
تناقض السودانين: إتفاقية السلام الشاملة و الطريق الى التقسيم
(The Paradox of Two Sudans: the CPA and the Road to Partition) هو إسم كتاب الدكتور منصور خالد، الصادر في العام 2015م عن دار نشر أفريكا ويرلد برس. الكتاب يحلل الأحداث التي ادت الى تأجيج نيران النزاع و الحرب الأهلية الثانية في السودان و تلك التي ساعدت في الوصول الى تسوية سلمية في عام 2005م، و تلك التي ادت الى فشلها، و ذلك في إطار تسلسلها التأريخي.  من أجل الوصول الى فهم أفضل لهذه الأحداث، فإن الكتاب يضعها في سياقها الأوسع و الأعم، من خلال فحص جذورها السياسية والإقتصادية والثقافية. يقدم الكتاب تحليلا نقديا لعملية السلام السودانية التي قادت الى توقيع إتفاقية السلام الشاملة 2005م. يشمل التحليل أطراف العملية الأساسيين: محددات مواقفهم، دوافعهم وخلفياتهم، و وسطاء العملية السلمية و فشلها في ان تفضي الى سودان ديمقراطي موحد عوضا عن تقسيم البلاد. يتوزع الكتاب علي إثني عشر فصلا عناوينها على التوالي: 1) جذور حروب السودان الأهلية (1956 – 2000): قصر النظر السياسي والتحيزات الثقافية، 2) عقبات في الطريق الى مشاكوس، 3) بروتوكول مشاكوس: إختراق في مفاوضات السلام، 4 ) الترتيبات الأمنية، 5) وثيقة ناكورو: أزمة و فرصة، 6) إعادة هيكلة الدولة السودانية، 7) المناطق الثلاث، 8) تحديات تطبيق إتفاقية السلام الشاملة، 9 ) الإنتقالات المتعددة لجنوب السودان: إنجازات و نواقص، 10) المرحلة الختامية في الفترة الإنتقالية: الإستفتاء و مابعده، 11) التحديات التي تواجه الدولة الجديدة، و 12) دارفور و إتفاقية السلام الشاملة .
غرض هذا المقال هو تقديم عرض تحليلي للفصل الأول من الكتاب المعنون: جذور حروب السودان الأهلية (1956 – 2000): قصر النظر السياسي والتحيزات الثقافية. تنبع أهمية هذا الفصل من إنه يرسم الخلفية التاريخية و السياق العام للأحداث والتطورات اللاحقة (التي تغطيها بقية فصول الكتاب) و التي يقع في مركزها توقيع إتفاقية السلام الشاملة والفشل في تطبيقها وتنفيذ بنودها مما ادى الى إنفصال جنوب السودان كدولة مستقلة. يتم تركيب هذه الخلفية التاريخية من خلال التحليل النقدي للجذور السياسية والإقتصادية والإجتماعية و الثقافية و الإثنية للصراع والإحتراب السوداني منذ الإستقلال (1956م)، والذي إنتهى بتقسيم البلاد الى شمال و جنوب ويهدد إستمراره بتمزيق ما تبقى منها على أسس إثنية و ثقافية و جهوية
.
هناك أسباب مباشرة للنزاع و الحرب الأهلية مثل خرق إتفاقية أديس أبابا كسبب مباشر لإندلاع الحرب الثانية (1983م
– 2005م). لكن خلف هذه الأسباب المباشرة تكمن مسببات رئيسية أعمق يحللها هذا الفصل. في نظر الكاتب، التاريخ الطويل لقصر النظر السياسي الذي بسببه اضاعت النخبة السياسية الشمالية فرصا عديدة لإبقاء السودان موحدا و ينعم بالسلام، والتحيزات الثقافية هي العوامل التي اضعفت البلاد و جعلت الحرب أمرا محتوما. خلف قصر النظر السياسي هذا تقبع مركزية إثنية مدهشة جعلت السياسين الشمالين عاجزين عن رؤية قيمة الثقافات السودانية الأخرى و غير مدركين أحيانا لحقيقة وجود هذه الثقافات. يحلل الفصل كيف أن الهوية الثقافية العربو-إسلامية للنخبة الشمالية الحاكمة ليس فقط يتم تقديمها بإفتراض أنها الرباط الوحيد للهوية الوطنية، و لكن بإعتبارها أيضا المحدد للحصول على حقوق مدنية أساسية، مثل الحق في أن تصبح رئيسا للبلاد .
الكتابة على الجدار التي لم يرها أحد
كانت النخبة السياسية على علم تام، منذ عام
1953م، بالمطلوبات الضرورية لتحقيق وحدة السودان. مع ذلك، عندما اجتمعت كل الأحزاب الشمالية بالقاهرة عام 1952م، برعاية الحكومة المصرية، من أجل الوصول الى إتفاق حول مستقبل السودان كدولة موحدة، لم تتم دعوة حزب او سياسي جنوبي واحد لهذا الإجتماع، و كأن السودانيين الجنوبيين لم يكن لديهم أي رأي حول مصير القطر، او على الأقل الجزء الذي يقيمون فيه من القطر . اللافت، ان ذلك الاجتماع ساهم بشكل رئيسي في إبرام الإتفاقية الأنجلو-مصرية التي منحت السودان الحكم الذاتي. أيضا، و كما كان متوقعا، دفع إجتماع القاهرة السياسيين الجنوبيين لأن يؤسسوا، في يناير 1954م، أول حزب سياسي جنوبي: الحزب اللبرالي. في أكتوبر من نفس العام، انعقد مؤتمر جوبا الثاني لمناقشة مستقبل السودان ككل والجنوب ضمن القطر الموحد. خلاصة مخرجات المؤتمر التي سلمت لرئيس الوزراء و لدولتي الإستعمار الثنائي هي أن السودان اما أن يبقى موحدا على أساس إقليمين يتمتعان بحكم ذاتي في ظل نظام فدرالي، و اما أن يقسم كما فصلت الباكستان من الهند. في نظر الكاتب، اذا لم يكن ذلك كافيا لتنبيه سياسيي الخرطوم لمطالب الجنوب المشروعة، فلن يوجد ما هو أكثر من ذلك. التنكر لمطالب الجنوبيين و تجاهلها لم يكن مقصورا على الطبقة السياسية وإنما يشارك فيه أيضا الإعلام. صحيفة الأيام حسنة السمعة، على سبيل المثال, وصفت المؤتمر بأنه “عنصري للغاية” لأنه كان مقصورا فقط على الجنوبيين. ومع أن مؤتمر القاهرة بالمقارنة كان قد اقتصر فقط على السياسيين الشماليين، فإنه لم يتم وصفه بأنه مؤتمر عنصري. في رأي د. منصور خالد، صفة العنصرية في هذا السياق يتم إطلاقها و توظيفها من قبل النخبة الحاكمة لتعني شيئا واحدا. مثلا المحاولات الإنقلابية الكثيرة التي شهدتها البلاد و شارك فيها ضباط و جنود شماليون لم يتم ابدا تعريف أي منها إثنيا، تبعا لإثنية المشاركين فيها. بالمقارنة، كل المحاولات الإنقلابية التي قادها ضباط و جنود من جبال النوبة وصفت بانها “عنصرية.” الصحيفة استنكرت أيضا مطالبة المؤتمر بالأجر المتساوي لموظفي الخدمة المدنية في الجنوب والشمال : أثناء الحكم الإستعماري، كان موظفو الخدمة المدنية الجنوبيين يتلقون مرتبات أقل بشكل غير متناسب من زملاءهم الشماليين. ما ورد في صحيفة الأيام يلخص نظرة النخبة الشمالية لقضية المظالم التاريخية واللامساواة التي استمر يواجهها الهامش. نفس هذه النظرة هي التي تأسس عليها قرار لجنة السودنة منح ستة وظائف دنيا للجنوبين من جملة 800 وظيفة. في 15 ديسمبر 1955م، طالب البرلمانيون الجنوبيون بالفدرالية كشرط يجب الموافقة عليه قبل موافقتهم على إعلان إستقلال السودان كقطر موحد. بسبب انها كانت متعجلة لضمان الإستقلال، قدمت الأحزاب الشمالية وعدا للجنوبيين بالنظر في مطلب الفدرالية عند صياغة الدستور الدائم للبلاد، ولكنها تراجعت لاحقا عن هذا الوعد. لهذا تحولت قضية وحدة السودان من كونها موضوع نقاش برلماني عشية الإستقلال الى موضوع للإحتراب الذي سوف يستمر لمعظم سنوات ما بعد الإستقلال .
الفرصة الضائعة
بعد أكتوبر 1964م نظمت حكومة سرالختم الخليفة – الذي عمل معلما بالجنوب و كانت تربطه علاقات طيبة بالجنوبيين
أول حوار شمالي – جنوبي: مؤتمر المائدة المستديرة. في نظر الكاتب، لأول مرة منذ الإستقلال، تقوم حكومة شمالية بوضع الحرب الأهلية السودانية في سياقاتها التاريخية، السياسية و الإقتصادية وتنظر اليها كمشكلة ساهمت فيها عوامل متعددة مثل تركات الرق التاريخية و عدم المساواة الإقتصادية بين الأقاليم، و هي جذور النزاع التي ظل السياسيون و العديد من الأكاديميين الشماليين يتحاشون ذكرها في بحوثهم. في ورقته التي قدمها للمؤتمر، ذكر سرالختم الخليفة أن النزاع له أسباب متعدة و جذور تاريخية تشمل السياسات الإستعمارية و تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر، و كذلك أبعاد ثقافية و دينية، كما أنه تم التعاطي معه بطريقة خاطئة معا من قبل الأنظمة الديمقراطية والعسكرية السابقة، و تفاقم بسبب خطط التنمية الإقتصادية غير المتوازنة. مع ذلك، فشلت مبادرة المائدة المستديرة لسببين: مناورات ذات القوى السياسية التي نكصت عن وعد الفدرالية الذي قطعته للجنوبين مقابل تصويتهم لصالح الإستقلال ، وعدم توحد قادة الجنوبين في المؤتمر. بالنسبة للقوى السياسية الشمالية (التي وصفها د. منصور خالد بأنها لا تضيع أي فرصة لتضيع فرصة)، يتضح بجلاء إن الصراع على السلطة ظل يشكل بالنسبة لها أولوية مقدمة على تحقيق السلام و مهام البناء الوطني، و كأن السلطة هي غاية في ذاتها .
الأسباب المباشرة للحرب الأهلية الثانية
خرق نميري لإتفاقية أديس أبابا كان هو السبب المباشر لتجدد الحرب. كما عبر عن ذلك في خطاب له في 22 مارس 1985م، كان د
. جون قرنق يرى في تصرفات نميري تكرارا للسياسات غير الرشيدة للحكومات السابقة، و إنه اذا لم يتم التراجع عن تلك السياسات فان السلام لن يتحقق ابدا في السودان. بالنسبة لقرنق فإن قصر نظر الطبقة السياسية الأنانية في المركز قد جعلها تعمى عن رؤية الأسباب الجذرية لمشاكل السودان. هذا هو السبب الذي جعل الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان تشن كفاحا عسكريا، سياسيا و دبلوماسيا لعقدين (1983 – 2005م) من أجل تغيير السياسات في الخرطوم. لقد جعل قرنق هدفه واضحا منذ البداية لقوى المركز بأن كفاحه ليس من أجل السلطة، وإنما توحيد السودان على أسس جديدة و وضع حد للمظالم الإجتماعية العديدة في شرق، وسط، و غرب السودان و كذلك للإفقار في الشمال الأقصى. بالطبع، لم ترق كلمات قرنق للطبقة السياسية حينها والتي كان موضوع إهتمامها الرئيسي هو إنشاء التحالفات السياسية التي تبقيها في السلطة بشكل دائم .
من الحرب الى السلام و العودة الى الحرب
يحسب لحكومة نميري انها اعطت اولوية لوقف الحرب في الجنوب. في عام 1972م، وقعت تلك الحكومة إتفاقية أديس أبابا مع حركة تحرير جنوب السودان.  استندت تلك الإتفاقية على إعلان مباديء اصدره نظام نميري في يونيو 1969م، وكانت للحزب الشيوعي السوداني مساهمة كبيرة فيه. اللافت أن ذلك الإعلان كان قد استند بدوره على الخلاصة التي توصلت اليها لجنة الإثني عشر التي كونها مؤتمر المائدة المستديرة بهدف أن تدرس وتقدم توصيات فيما يخص الترتيبات الدستورية و الإدارية و المالية بين الحكومة المركزية و جنوب السودان. الواقع انه و بينما كانت لجنة الإثني عشر تناقش قضايا تتعلق بتحقيق السلام و البناء الوطني كان قادة الأحزاب الشمالية – خاصة الأمة والإتحادي – منشغلين كلية بتأمين مواقعهم في السلطة التي كانت ستلي الإنتخابات، كأولوية بالنسبة لهم مقدمة على مهام البناء الوطني و تحقيق السلام. سلم رئيس لجنة الإثني عشر تقرير اللجنة لرئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب في 26 يونيو 1966م، لكن التقرير لم يجد إهتماما لذات الأسباب. فقط في بداية العام 1971م، قامت حكومة نميري بنفض الغبار عن ذلك التقرير و قدمته لحركة تحرير جنوب السودان بقيادة العقيد جوزيف لاقو كأساس للمفاوضات. الجدير بالذكر ان حركة تحرير جنوب السودان لم تكن حتى قد وجدت في العام 1966م عندما فرغت لجنة الاثني عشر من عملها و سلمت الحكومة خارطة طريق للسلام و إعادة البناء. في رأي د. منصور خالد، اذا تم تطبيق محتويات تقرير اللجنة في وقته، فإنه لم يكن ليحدث مزيد من الإستبعاد و الإقصاء للسياسيين الجنوبيين ولم يكن ليتم دفع المحاربين منهم لأن يعدوا وينخرطوا في كفاح مسلح شرس. العرض الذي قدمته حكومة نميري مستندا على تقرير لجنة الإثني عشر منح الحكم الذاتي لجنوب السودان كإقليم موحد يتكون من ثلاث مديريات هي بحر الغزال، الإستوائية و أعالي النيل، لكل واحدة ذراعها التشريعي والتنفيذي الخاص بها. تم تعيين أبيل الير كرئيس للمجلس التنفيذي في جوبا و نائب لرئيس الجمهورية وهو أول مواطن جنوبي يشغل منصب نائب الرئيس. أما جوزيف لاقو، فقد تمت إعادته لصفوف الجيش و ترقيته لرتبة العميد وهو أيضا كان أول ضابط من جنوب السودان يترقي لهذه الرتبة في الجيش. حققت الإتفاقية سلاما استمر ل 11عاما (1972 – 1983م) وهي أطول فترة تمتع فيها جنوب السودان بالسلام منذ الإستقلال
.
نميري لم يكن مسؤلا وحدة عن إنهاء إتفاقية أديس أبابا و تقسيم الأقليم الجنوبي ولكن كان له في ذلك شركاء ثانويين من الجنوب منهم الجنرال جوزيف لاقو الطرف الآخر الموقع الإتفاقية و ثلاثة سياسين جنوبين هم أثوان داك، فيليب اوبانق و اوليفر البينو. وفر الأربعة لنميري الغطاء الذي كان يحتاجه للتلاعب بالإتفاقية تحت زعم ان حكومة الجنوب يسيطر عليها الدينكا و لهذا السبب فإن الأفضل هو تقسيم الأقليم الجنوبي
إستجابة لرغبات مواطنية .”
لم يكتف نميري بخرق الإتفاقية (و كأنه لم يكن كافيا لوحده) و إنما شرع يلغي المباديء الثقافية التي أسست عليها: خاصة إلغاء نص المادة 6 من الإتفاقية التي نصت على إعتبار اللغة الإنجليزية اللغة الرئيسية في الجنوب بما لا يتعارض مع إستخدام اللغات الأخرى. موضوع اللغة عموما و وضع اللغة العربية في الجنوب خاصة كانت من النقاط الخلافية أثناء المفاوضات، وقد اعتبر أحد المفاوضين الجنوبين اللغة العربية لغة أجنبية و لا مكان لها في الجنوب. في نظر الكاتب اللغة العربية لم يتم غرسها في الجنوب عن طريق الإكراه ولكن انتشرت بشكل سلمي كنتاج للعلاقات ما بين المجموعات، التجارة، التفاعلات الشخصية و الزيجات المختلطة و حركة الناس في الإتجاهين للإنخراط في الأنشطة الحياتية المختلفة. هذه الأسباب هي التي جعلت اللغة التي تعرف ب”عربي جوبا” هي لغة التواصل في الجنوب
.
أحد دوافع نميري لخرق إتفاقية أديس أببا كان إرضاء إثنين من معارضيه اللذين توصلا معه الى إتفاق في نهاية المطاف وهما الصادق المهدي زعيم حزب الأمة و حسن الترابي زعيم الأخوان المسلمين. اتخذ الإثنان موقفا رافضا للإتفاقية عند توقيعها خاصة المباديء الثقافية المؤسسة لها، ربما لأنهما رأيا فيها إضعافا لشخصية السودان العربو – إسلامية. لم يكن الزعيمان سعيدين ايضا بنص المادة 16 من دستور السودان لسنة 1973م والتي تنص على الإعتراف بالإسلام و المسيحية و كريم المعتقدات الروحية، بالرغم من أن نص المادة قد تكرر في معظم مشاريع الدساتير اللاحقة و ذلك للتوفيق بين الإسلام و أنظمة الإعتقاد الأخرى في السودان. حسن الترابي والذي اصبح مساعدا للرئيس نميري بعد إتفاق الرجلين، اعد مسودة دستور “لأمير المؤمنين
”: هذا اللقب الذي منح للرئيس تطلب إلغاء 100 مادة من دستور 1973م وقد قام الترابي بكل ذلك. يورد الكاتب في هذا السياق رأي أبيل الير بأنه و بعد إتفاق نميري مع المعارضة الشمالية عام 1977م، تم إقناعه بواسطة هذه المجموعة بإلغاء إتفاقية أديس أبابا بما في ذلك المادة 16 من الدستور حتى يخلده التاريخ كأعظم زعيم سوداني و يستعيد تأييد الأغلبية المجتمعية له في شمال السودان.” في رأي الكاتب لم يكن الزعيمان مدفوعين بدوافع دينية وإنما الحسد تجاه نميري الذي نجح في تحقيق ما عجزا عنه. ذات الأحزاب الشمالية التي رفضت تنفيذ خطة السلام التي تضمنتها توصيات لجنة الإثني عشر، بالرقم من أنها كانت تمثل الأغلبية في اللجنة، حسدت نميرى على نجاحه في وقف الحرب الأهلية المستند على ذات التوصيات .
لم يكن هناك مفر من تجدد الحرب في جنوب السودان ولكن مع شيء مختلف. الحرب الأهلية الثانية في السودان قادها جيل جديد من السودانيين الجنوبيين الذين احتكوا أكثر بالعالم الخارجي و الذين لم يكن يشترك مع من سبقوه في رؤيتهم والتي كانت أهدافها السياسية أما الإنفصال من الشمال او الحكم الذاتي لجنوب السودان. بالنسبة لجون قرنق زعيم الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان (و ليس جنوب السودان) لا يوجد شيء إسمه “مشكلة الجنوب” وإنما هي مشكلة السودان كله. لكن لم يكن ممكنا توطين أجندة قرنق الوحدوية بدون حرب داخلية في صفوف الحركة بين أولئك المؤمنين بسودان جديد يقوم على أساس الوحدة من خلال التنوع و أولئك المؤمنين بفصل جنوب السودان: الذين وصفهم قرنق بالإنفصاليين و الإنتهازيين
. بعد خروجه منتصرا في هذه الحرب الداخلية، واصل قرنق مهمة إعادة هيكلة حركته، التي نشأت في الأصل ذات إهتمام منحصر بالجنوب، لتكون حركة ذات مهام و رؤية قومية لتحويل السودان القديم الى سودان جديد و ليس تدميره. رؤيته للسودان الجديد كانت تتمثل في نظام دستوري علماني يعبر التنوع السوداني : إثنيا، ثقافيا، دينيا، لغويا و إقليميا، وذلك بدل التعريف السائد للهوية الوطنية الذي صاغته نخبة السودان القديم والذي يعرفها حصريا بمكوني الإسلام و العروبة مستبعدا سائر المكونات الأخرى .
الأسباب الثقافية التحتية للصراع
خلف التعامل الإحتقاري لقسم غير صغير من النخبة الشمالية مع الجنوبيين يكمن إعتقاد راسخ و متأصل بعلوية مراتبية يجسدها إحتقار كل ما هو إفريقي. و يسود ذلك بشكل خاص و سط المثقفين الشماليين في النصف الأول من القرن العشرين الذين كانوا يصوبون انظارهم بإتجاه وحيد فقط: مصر في الشمال. يورد الكاتب رأي الأكاديمي و البروفسور المصري محمد النويهي – الذي درس بجامعة الخرطوم في الستينات – الذي قدم تفسيرا للطريقة التي ترى بها هذه المجموعة هويتها الذاتية. في رأي النويهي، الكتاب والشعراء السودانيون الشماليون اعطوا أهمية أكبر للأدب العربي الكلاسيكي بالشكل الذي استبعد كلية تراثهم و بيئتهم الأفريقيين. و السبب عند النويهي هو أن السودانيين الذين تعرضوا للهزيمة و الإذلال بواسطة قوات الإحتلال الأنجلو – مصرية، كانوا في حاجة لتعويض نفسي لم يكن ليجدوه لا في ماضيهم الأفريقي او حاضر أفريقيا المعاصرة. وأن أفريقيا بدلا من ان تشكل مصدر قوة تدفعهم لإستعادة الثقة بالذات، كان الإنتماء اليها يفاقم من إحساسهم بالدونية مقابل البريطانيين والمصريين. الكاتب يورد أيضا رأيا للدكتور مدثر عبد الرحيم يعضد وجهة نظر النويهي. حسب مدثر عبدالرحيم، في نظر ذلك الجيل من السودانيين الشماليين، فإن حاضرهم غير الإسلامي، مثل ماضيهم قبل الإسلامي، كان يعتبر بالنسبة لهم “جاهلية”، و لذلك لم يكن ممكنا لهم أن يعرفوا انفسهم بأي منهما.  في نظر الكاتب، تبني هذا النوع من الهوية العربو – إسلامية ادي الى نتيجتين: أولا؛ فصل أولئل الإنتليجنسيا ثقافيا و عاطفيا عن الأفارقة، بما في ذلك الأفارقة الذي يتقاسمون معهم الأرض؛ هولاء الأفارقة كان ينظر اليهم من خلال تنميط عرقي ثابت بإعتبار انهم لا يمتلكون القدرات العقلية اللازمة للملاحظة و الإستيعاب، وفوق ذلك النظر اليهم كوثنيين لا يؤمنون بالله. ثانيا: هذه العقلية (الإرتباط بماضي الإسلام و الثقافة العربية الكلاسيكية) منحت أيضا تلك الإنتليجنسيا نوعا من إثبات الذات او التعويض النفسي. الأمر في نظر الكاتب يكشف عن عنصرية مرضية سايكولوجيا و سلوكيا.  فحتى الحضارة النوبية الأفريقية التي قدمت مساهمة متميزة للحضارة الإنسانية وتم الإحتفاء بها عالميا كواحدة من أعظم التراثات الثقافية للجنس البشري، فقد تم تجاهلها بواسطة “ورثتها” الشماليين بإعتبارها وثنية لا قيمة لها
.
هذه النهج الغريب في الفكر والسلوك، ضعف بشكل كبير في النصف الثاني من القرن العشرين كنتيجة لثلاثة عوامل: أولها إحتكاك النخبة الشمالية المستعربة بالعالم الخارجي (بما في ذلك الدول العربية)، هذا الإحتكاك جعلهم يدركون علامات واضحة على هجنتهم التي تحتوي على عنصر أفريقي لا تخطئه العين. العامل الثاني هو بروز السودانيين الجنوبيين كعنصر فاعل في السياسة الوطنية بعد إلغاء السياسة الجنوبية الإستعمارية في عام 1946م (سياسة المناطق المقفولة). العامل الثالث هو إستعادة إفريقيا لحيويتها و صعود جيل جديد من القادة الأفارقة أمثال نكروما، أحمدو سيكو توري، جوليس نيريري ..الخ الذين استعادوا للقارة إحساسها بالفخر وإحترام الذات بعد قرون من الإذلال بواسطة الإستعمار، الإسترقاق، و التمييز العرقي. الغريب أن العودة الثقافية الى إفريقيا بواسطة النخبة ذات المركزية العربية المتطرفة، تأثرت أيضا بموقف الرئيس المصري جمال عبد الناصر تجاه إفريقيا. منذ الأيام الأولى للثورة المصرية، كان عبد الناصر قد شدد بفخر على أهمية المكانة التي  اولاها لتحرير إفريقيا و وحدتها في إستراتيجته العالمية.  ذلك هو الوقت الذي شاع فيها استخدام المثقفين الشماليين لمقولة المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي بأن السودان عبارة عن أفريقيا مصغرة
.
تعقيدات قضية الهوية تعمقت أكثر من خلال النقاشات العقيمة وسط النخبة السياسية السودانية حول العروبة و الإفريقية كمحددين حصريين لتعريف الهوية السودانية، بالرغم من سيولة الإثنين. في نظر الكاتب، العروبة هي آيديولوجيا للإستعلاء الإثني-الثقافي تجلت في السياق السوداني بعد الحكم العثماني 1821م. و بينما تقدم الإسلاموية المبررات الدينية و الإقتصادية للإخضاع المستمر لغير المؤمنين، نجد السودانوية تمثل صياغة لمفهوم للوطنية يتمحور حول الارض و يرفض معا المضمون العرقي للعروبة و المضمون الطائفي للإسلاموية.  السودانيون الجنوبيون الإفريقانيون قاموا بدورهم بصياغة تعريفهم “العرقي” الخاص  للهوية الوطنية- كمضاد للتعريف العرقي العروبي – و الذي يعرف الهوية الإفريقية من خلال العرق بشكل أساسي
. دون أن يدعى هولاء صراحة تمسكهم بمفهوم الزنوجة، فإن مقاربتهم لموضوع الهوية شبيهة بالمناقشات شبه الآيديولوجية في ثلاثينيات القرن الماضي التي قادها في فرنسا، من بين آخرين، الشاعر المارتينيكي ايمي سيزار و الرئيس المستقبلي للسنغال ليوبولد سنغور. لكن لم يكن سيزار او سنغور ينظر للزنوجة كمفهوم عرقي – كما هو حال السودانيين الجنوبيين الإفريقانيين- وإنما كترياق مضاد لعنصرية الإستعمار الفرنسي و الهيمنة السياسية و الثقافية. لكن هذه المقاربات للوحدة الإفريقية تم تجاوزها بواسطة إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية و تطورها المستمر نحو الإتحاد الإفريقي، والذي تأسس ليس على الأصل الجغرافي او العرقي، وإنما بشكل أساسي على المصالح الإقتصادية المشتركة و التفاعل الثقافي و التضامن السياسي في عالم يتحول بسرعة الى قرية كونية. ضمن هذا السياق، يرى الكاتب إن الدعوة للوحدة الإفريقية في السودان سوف يكون لها معنى عندما تدرك ان السودان هو قطر يتواجد فيه عالمان. و في ذلك يشير الكاتب لتحليل الأكاديمي المرموق محمود محمداني لموضوع إزدواجية الهوية السودانية والذي يطرح تحديا أمام تعريفات الهوية التي قدمتها بعض النخب معا في الشمال و الجنوب. مثلا النخبة الجنوبية غالبا ما تدعي بأن الإسلام فرض عليهم بواسطة العرب في الشمال، بينما نجد عددا غير قليل من النخبة الشمالية يفترض أن جنوب السودان قد ظل على الدوام أرضا مسيحية. محمداني يدحض كلتي الأطروحتين من خلال التأكيد على أنه ليس فقط ظلت بلاد النوبة في الشمال مملكة مسيحية حتى القرن السادس، ولكن ايضا ملوك النوبة في الشمال هم الذين منعوا الغزو العربو – إسلامي للسودان. و كنتاج لذلك، نجد أن أول مملكتين إسلاميتين: الفونج الذين اسسوا الحكم الإسلامي و الغوا المسيحية في وسط و شمال السودان؛ و الداجو و خلفاءهم التنجر الذين غرسوا الإسلام في دارفور غربي السودان، قادهما كليهما ملوك انحدروا من سلالة أفريقية خالصة. البيت الملكي الفونجي ترجع أصوله الى قبيلة الشلك في جنوب السودان، بالرغم من إدعاءهم الإنتماء الى الأمويين؛ وهو إدعاء لم يتم إثباته بشكل قاطع بواسطة المؤرخين ولا تدعمه الملامح الخارجية للفونج . بالمقابل نجد التنجر قد قدموا الى دارفور من برنو و وداي وتغلبوا على زعما الداجو وقد اسس أحد أحفادهم؛ سليمان صولون في عام 1603م أول مملكة إسلامية في دارفور. استخدم الإثنان الفونج والفور في حكمهم الفقهاء الإسلاميين كرجال دين و كمستشارين قضائيين، كذلك استخدم الإثنان في بناء جيوشهم الشباب الأقوياء الذين تم استرقاقهم من القبايل المجاورة في جنوب السودان كجنود . الواضح إذا ان النخبتين السودانيتين الشمالية و الجنوبية ظلتا تعملان كلاهما على تكريس أساطير حول هويتيهما. النخبة الشمالية من جهتها ظلت تزعم بأن السودان تمت أسلمته و تعريبة منذ ماضي سحيق، بدون ادنى إعتبار لتاريخ البلاد المسيحي النوبي او المقاومة النوبية للغزو الإسلامي القادم من مصر . النخبة الجنوبية بالمقابل تبنت الفهم الغربي التقليدي الذي يساوي بين الإسلام و العروبة، بالرغم من أن أول ممالك سودانية قامت بأسلمة القطر بطريقة شاملة كان يحكمها ملوك من أصول إفريقية خالصة: توطين الإسلام في الشمال تم بواسطة ممالك غير عربية. أما المسيحية فقد تم تطعيمها بعناصر من المعتقدات الوثنية المحلية. و وفقا لوحدة الأبحاث الفدرالية بمكتبة الكونغرس فإن نسبة المسيحيين لا تتجاوز 10% من سكان جنوب السودان. وبذلك يبدو الفريقان مترددين في الإعتراف بحقيقة أن الإسلام و المسيحية تم توطينهما في القطر من خلال عملية ذات خصوصية .
وصلت المقاربات الى منتهى اللامعقول مع قطاع صغير من النخبة الجنوبية ظل يتمسك بالإطروحة القائلة بأنه يجب محو العروبة و الإسلام في السودان كمقدمة ضرورية لإمكانية توحيد شطري القطر؛ و إلا فعلى “العرب” أن يعودوا الى حيث اتوا. هذه الأطروحة الساذجة والمتهورة ترى انه من الممكن إلغاء قرون من عمليات الإندماج الثقافي المستمرة و طرد الناس من البلاد التي ولد فيها أسلافهم؛ وهي فكرة اذا ما تمت عولمتها فسوف تؤدي الى تفكيك النسيج الإجتماعي لكل دول العالم. هذه الأفكار العنصرية – و التي كانت شائعة وسط إنفصاليي ستينيات القرن الماضي مثل أقري جادين- تلاشت مع نهاية القرن. وهذا يفسر لنا لماذا كان أحد أول الدروس التي سعى د. قرنق لتلقينها لهولاء الإقصائيين كانت حول الهجرات التاريخية و البناء الوطني
. حسب قرنق، على مدار التاريخ، ظل البشر في حالات هجرة دائمة لأسباب متعددة، وأي مكان يختارون الإقامة فيه يصبح وطنهم. إضافة لما تقدم، طور بعض الجنوبيين، بما فيهم بعض ممن يفترض انهم قياديون في الحركة الشعبية لتحرير السودان، الصورة التقليدية الخاصة بهم للشماليين؛ عادة ما يقومون بإستمرار بتصويرهم جميعا كجلابة (تجار الرقيق). هذه كانت التناقضات التي كان قرنق يشق طريقه خلالها نحو تثبيت دعائم مشروعه: السودان الجديد.  على سبيل المثال،  مع وضوح موقف قرنق من ضرورة الإعتراف بالتعددية اللغوية في السودان، و بالرغم من تكراره في مناسبات عديدة بأن الإسلام و العروبة تم استخدامهما بإستمرار كأدوات للتمييز ضد الجنوبيين غير العرب و غير المسلمين، فإنه كان يمتلك الشجاعة الكافية ليخاطب مؤتمرا قوميا عام 1986م بقوله: “اللغة العربية (بالرغم من انني لا اجيدها) يجب أن تكون اللغة القومية في السودان الجديد و يجب علينا لذلك تعلمها. نحن صريحون و واضحون في كل شيء. لا يمكن القول بأن العربية هي لغة العرب، لا إنها لغة السودان . الإنجليزي هو لغة الأمريكان، ولكن البلد هو أمريكا و ليس إنجلترا . الإسبانية هي لغة الأرجنيتن، بوليفيا و كوبا، ولكن هذه الأقطار ليست أسبانيا”. في رأي الكاتب، كان هناك درس في هذا الخطاب للشماليين و الجنوبيين معا. بالنسبة للشماليين، كان قرنق يقول لهم أن تبني الثقافة واللغة العربيتين لن يجعل منكم عربا: سوف تظلون سودانيين. بالنسبة للجنوبيين، كان يقول لهم – من منظور عملي – طالما ان العربية تم تبنيها كلغة تخاطب في شمال السودان و كذلك بين الشماليين و الغالبية من السودانين الجنوبيين، يجب إعتبارها لغة السودان، وليس لغة العرب الأغراب.  وبينما كانت هذه الإنقسامات التي مزقت السودان لنصف قرن قد وهنت قوتها مع نهاية النصف الثاني من القرن العشرين، فإن صعود الإسلاميين قد بث حياة جديدة في هذه الإنقسامات، خاصة من خلال دعوتهم لأسلمة و تعريب كل القطر .
بلد يبحث عن روحه
من خلال الرؤية التي صاغها، وضع قرنق حدا للضلال الناتج عن المنظورات المصطنعة للذات و الآخر و ذلك من خلال مخاطبته المباشرة لجذور هذه التصورات. السودان في رأي قرنق، “ما يزال يبحث عن روحه، و عن هويته الحقيقية. و لأنه فشل في العثور عليها (لأنهم ما كانوا يبحثون عنها داخل السودان و إنما خارجه)  لجأ بعضهم للعروبة، و لما فشل ذلك، لجأوا للإسلام كعامل توحيد. اصيب البعض بالإحباط بسبب فشلهم في إدراك كيف يتسنى لهم أن يصيروا عربا بينما رأى خالقهم غير ذلك؛ و طالبوا لذلك بالإنفصال. في كل هذه المنظورات المتحيزة نجد الكثير من الغموض و الإلتواء الذي يتواءم مع المصالح الطائفية. لإزالة هذا الغموض، وصل قرنق الى الخلاصة التي فحواها أن الهوية الوطنية للسودانيين يمكن تعريفها فقط بالإستناد الى الحقائق التاريخية. كان قرنق يشير الى الحضارة النوبية، الممالك النوبية المسيحية، والحضارة الإسلامية التي شكلت تاريخ السودان، و كذلك الحقائق المعاصرة التي انعكست في التجارب السياسية و الثقافية واثرت في السودان إيجابا و سلبا منذ فترة الحكم التركي (1821 – 1885م). بالنسبة لقرنق، الهوية الوطنية لا يمكن تعريفها من خلال محددات ذاتية كالإثنية او الدين، وإنما بالإستناد الى تلك العوامل الموضوعية. الإشارة الخاصة هنا للحكم التركي تأتي في سياق التأكيد على الدور الذي لعبه في تكوين السودان الحديث. الأتراك ايضا جعلوا من الإسلام مبررا دينيا و إقتصاديا لإخضاع “غير المؤمنين”. لكل ذلك، انطلق قرنق الى الأمام في كفاحه السياسي لبناء “سودان جديد” يتساوى فيه جميع السودانيين بدلا من ان يكونوا مقسمين الى هويات عليا و أخرى ادنى مرتبة، و حيث يتم الفصل بين المسجد و الكنيسة و بين الدولة، و حيث يتم التعامل بإحترام مع كافة المعتقدات الدينية بإعتبارها مصدر إلهام لمعتنقيها، و حيث يتم الإعتراف بكل المجموعات الثقافية و اللغات المحلية كمكون أساسي من مكونات التراث السوداني. ومن خلال تجاوزه للمفاهيم المضللة التي تغذي الخلاف و الإنقسامات حول ما يجعل السودان بلدا موحدا و شعبه شعب واحد، كان قرنق يأمل أيضا في وضع حد للمقاربات التبسيطية للصراع في السودان والتي كانت سائدة وسط الدوائر الأكاديمية والإعلامية في الغرب. قرنق كان أيضا رائدا في الدفع بقضية التهميش الإقتصادي الى رأس قائمة الأجندة الوطنية
. ومن خلال ذلك كسب تعاطف المجموعات المهمشة في كل أنحاء السودان، خاصة المناطق التي تسكنها المجموعات غير العربية في الشمال مثل جبال النوبة، النيل الأزرق، دارفور و مناطق البجا في الشرق. وفي رأي كاتب هذا المقال، أن عظمة قرنق تكمن في كونه لم ير في تركات الرق والعنف و المظالم التاريخية والتهميش السياسي و الإقتصادي والثقافي الذي ظل يتعرض له الجنوب منذ الإستقلال سببا للمطالبة بالإنفصال، وإنما رأي فيها عكس ذلك سببا للكفاح من أجل تحرير جميع السودانيين من الإستغلال وكافة أشكال التمييز وإعادة توحيد السودان على أسس جديدة: حقوق المواطنة المتساوية والإعتراف بالتنوع في إطار سودان جديد ديمقراطي علماني موحد. لم تكن فقط كاريزما قرنق و وقاره هما وحدهما اللذان جذبا هولاء الناس لنداءه، و لكن الطريقة التي صاغ بها مظالمهم الإقتصادية هي التي وجدت صدى أوسع في عقولهم. شماليو المركز من أصحاب المركزية العربية لم يروا في الإختراق الذي حققته أفكار قرنق في هذه المناطق سوى محاولة لتأليب غير العرب في الشمال ضد العرب. من خلال معارفه العلمية، كان قرنق يدرك مبدأ أرخميدس بأن قوة الضغط الهائلة يمكن فقط السيطرة عليها من الأطراف وليس المركز. تحليله غير التقليدي وأفكاره المزلزلة حول إشكالية الهوية الوطنية الهبت خيال مجموعات كبيرة من المواطنين في الجنوب والشمال. في الشمال الجغرافي، جاء غالب التأييد من قبل الشباب من النساء و الرجال المحبطين من الممارسة السياسية التقليدية، في مناطق الهامش جاء التأييد من المجتمعات المشحونة بالغضب من سياسات الخرطوم : شكل ذلك إختراقا كبيرا في السياسة الوطنية التقليدية، بالنسبة للمجموعتين اصبح قرنق الترياق ضد سياسات السودان القديم. و كما هو متوقع، هذه التحولات لم تجعل قرنق مرحبا به وسط القيادات السياسية التقليدية معا في الجنوب و الشمال لأنها سحبت الأراض من تحت أقدامهم. في الجنوب، يرى فرانسس دينق أن قرنق قد ارتفع برؤية الجنوب والشمال ككل موحد الى مستوى لم يكن منظورا او يعتبر ممكنا من قبل، خاصة من قبل القيادات السياسية الجنوبية. و بدلا من أن يكون مصدر فخر للسياسيين الجنوبيين، فإن صعود قرنق السياسي والفكري في قمة المشهد السياسي الوطني تم النظر اليه معا بشك و حسد: بشك لأنه أعتبر مهددا لفصل الجنوب، و بحسد لأن شخصا مغمورا نجح في تحقيق ما ظلوا يحلمون بتحقيقه لسنوات. في الجانب الآخر، رأى السياسيون التقلديون في الشمال في أجندة قرنق الوطنية مصدر زعزعة لما كان يفترض أنها حقائق بديهية، ليس فقط حول الهوية الوطنية، ولكن أيضا حول كيفية حكم السودان و إبقاءه موحدا .
الثورة المضادة للإسلاميين الجدد
بعد سقوط نظام نميري في أبريل 1985م، برز الإسلام السياسي كقوة رئيسية في مركز السياسية السودانية، بطريقة غيرت راديكاليا قواعد اللعب. بعد إستيلاء الإسلاميين على السلطة في يونيو 1989م، فإن أكبر خيبات الخزي والعار التي اقترفوها كانت قرارهم تحويل الحرب الأهلية في السودان الى جهاد مقدس: بين المسلمين الأتقياء في الشمال و الكفار في الجنوب. هذا القرار دفع حالة الإستقطاب في السودان الى حدها الأقصى. لم تكن تلك المرة الأولى التي حاول فيها الإسلاميون تحويل السودان الى دولة دينية: لقد قاموا بالمحاولة نفسها في منتصف الستنيات من القرن الماضي بالتواطؤ مع الأحزاب الإسلامية التقليدية في الشمال. المحاولة فشلت لأنها شكلت تهديدا للكيان الوطني. مع ذلك، انطلق الإسلاميون الجدد بكل تهور يحاولون فرض مشروعهم الإسلامي بالقوة، بالرغم من حقيقة أن الإسلام في شمال السودان – كما علمنا التاريخ – كان قد تسرب الى أفئدة وعقول الناس من خلال الدعوة السلمية و طرح القدوة الحسنة. بالطبع، بدون التسامح مع قيم وعادات و تقاليد السكان الأصليين وأسلوب حياتهم، لكانت مهمة غرس الإسلام في شمال السودان صعبة جدا بالنسبة لرجال الدين و الفقهاء الأوائل. لكن على العكس تماما من تقاليد الدعوة الى الله من خلال الصبر والتسامح، كان مسلك الجبهة الإسلامية القومية براغماتيا، شموليا وغير متسامح. لقد مثل أسلوبهم في نشر الإسلام ثورة مضادة للإسلام السوداني التقليدي. شعار “الإسلام هو الحل
الذي رفعوه والذي يعتبر شعارا تعميميا يحمل معاني مختلفة بإختلاف الأشخاص، كان ينذر بأزمات عديدة في بلد يحتشد فيه التنوع بما في ذلك التنوع الديني. و صار الأمر أكثر تعقيدا و إشكالية عندما إقترح الإسلاميون الإسلمة والتعريب القسريين كحل وحيد لمخاطبة “مشكلة الجنوب”. في رأي الكاتب، وحدة اي دولة متعددة الأديان لايمكن تحقيقها من خلال فرض قيم أحادية مشتقة من دين واحد . لكن الإسلاميين ادعوا عكس ذلك بأن عملية الأسلمة كانت ستستمر بإعتبارها المسار الطبيعي للتاريخ السوداني، إذا لم يكن قد تمت عرقلتها عمدا بواسطة المستعمرين الذين احتقروا كل الثقافات الأخرى خلاف ثقافتهم. في رأي الكاتب، قيام الأستعمار بقفل الجنوب أمام الشماليين لم يكن لأسباب ثقافية بغرض اخذ الجنوبين الى الله او تحويلهم الى مواطنين بريطانين، وإنما تم بهدف المحافظة عليه تحت السيطرة كمخزن للموارد الطبيعية المطلوبة للإستغلال المستقبلي. جنوب السودان الذي كان تحت إدارة المفتشين البريطانين (بارونات المستنقعات) كما كان يسميهم رؤساءهم في الخرطوم، صار متحف بشري مجمد في الزمن. بإستثناء مجموعات نخب صغيرة، فإن الشعب في جنوب السودان لم يتم تحويله لا لشعب مسيحي او إنجليزي؛ ترك في حالة طبيعية – دون تعليم، دون تنمية و ترك نهبا للإحباط والضياع. إتضح ان المستعمرين في الجنوب كانوا معنيين فقط بالأمن و تقديم خدمات بسيطة جدا. في مقابل ذلك، اسس البريطانيون في الشمال خدمة مدنية ناجحة، و مؤسسات قضائية ذات وزن، قوات جيش و شرطة جيدة الإنضباط، و نظام تعليمي ذي سمعة حسنة. الواقع ان سلوك البريطانيين تجاه الجنوب لم يختلف كثيرا عن سلوك الطبقة السياسية الشمالية التي امسكت بزمام السلطة فيما بعد .
ما تزال أعداد لاتحصى من النخبة السياسية السودانية و كذلك المحللين والإعلام، بعد أكثر من نصف قرن من مغادرة المستعمرين، تحمل الإستعمار مسؤلية أزمات البلاد خاصة النزاع الشمالي
الجنوبي الذي استمر لمعظم سنوات ما بعد الإستقلال، في الوقت الذي تتجاهل فيه تحديد نصيبها من المسؤلية عن خلق هذه الأزمات. بدون إعفاء الإستعمار من مسؤليته عن إبقاء الجنوب في حالة عدم تنمية مزري لما يقارب الخمسين عاما، فإن الحكومات الوطنية التي اعقبت الإستعمار توفر لها أيضا خمسين عاما لتصحيح أخطاء المستعمر. منذ عشية إعلان الإستقلال، كان واضحا لكل ذي عينين أن هناك عوامل دينية، إجتماعية، ثقافية و إقتصادية ابقت الوضع متوترا بين شطري القطر. القادة السياسيون، بما فيهم الإسلاميون، كانوا اما غير قادرين او مترددين في رؤية هذه العوامل. لذلك كان على الطبقة السياسية الشمالية أن تنتظر حتى تنتشر الحروب في كل أنحاء السودان لتدرك تعلق هذه العوامل وإرتباطها بقضية السلام و الوحدة. لكل ذلك كانت محاولات انجاز تسوية سلمية للنزاع السوداني بين الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان العلمانيين و بين الحزب الإسلامي الحاكم الذي يخلط بين الدين و السياسية و يعتقد أن الله يقف الى جانبه تبدو كضرب من العبث. مدفوعة بدوغمائية عمياء، كانت الجبهة الإسلامية القومية مسكونة بهوس إعادة صياغة السودان المتعدد الثقافات و الأديان وفقا لصورتها هي. و لم تكن محاولات الأدلجة تقتصر على الجنوبين “الكفار” بل شملت أيضا الشمال، بالرغم مما للإسلام من تاريخ قديم هناك وبالرغم من أن الشمالين لم يكونوا لذلك بحاجة لأحد ليدخلهم الإسلام من جديد. مع ذلك، استمرت الجبهة الإسلامية القومية لأكثر من قرن في حالة إصرار  على المضي في محاولاتها لفرض نسختها الخاصة من الإسلام على اولئك الذين لم يكونوا يشاركونها توجهاتها الدينية. و وصلت الملهاة قمتها عندما قامت الجبهة الإسلامية القومية بتصنيف مواطني ذات القطر الواحد الى مؤمنين و كفار. أثناء ذلك فات على الإسلاميين  ان الأسلمة القسرية و مصادرة حرية الإعتقاد في الزمن الذي نعيش فيه الآن ليس فقط سلوك يفتقد الحكمة، وإنما يعد أيضا إنتهاكا خطيرا لأبسط حقوق الإنسان، ولن يتم التسامح معه على المستويين الإقليمي و الدولي. لهذا السبب، وكنتاج للإنتهاكات الخطيرة للحقوق الدينية و للطريقية الوحشية التي قادت بها الجبهة الإسلامية حملتها ضد المسلمين و غير المسلمين على السواء، تمت مضاعفة و تكثيف الضغط على النظام من قبل المنظمات غير الحكومية الدولية و الإقليمية. في رأي الكاتب، في نهاية المطاف، تعلمت الجبهة الإسلامية كيف تتعامل مع وفي العالم الواقعي، ولكن بعد عقد و نصف من الدماء والدموع، وأن تتجه نحو التسوية السلمية للنزاع في نيفاشا

دليل المواقع

اخبار منظمات ونشطاء ابناء دارفور

جديد الاخبار

بيانات صحفية

جديد مقالات

كبيرة الفنانين في دارفور مريم أمو

Warrant of arrest issued by Pre-Trial Chamber I  4 March 2009
besho210

أعلنت حركة العدل والمساواة مقتل زعيمها خليل إبراهيم، وأكد جبريل إبراهيم شقيق خليل ونائب رئيس الحركة -في اتصال مع الجزيرة- مقتل خليل في غارة استهدفته عندما كان يتنقل في موكب مع عدد من عناصر الحركة.

Omar al-Bashir: conflict in Darfur is my responsibility

الحركة الوطنية لتحرير السودان تعتقد كل من يعترف بحقوق شعب دارفور وحقه المشروع في تقريرمصيره . هو عضو أصيل في الحركة الوطنية لتحريرالسودان أعلنها أم لم يعلنها .
أما بخصوص وحدة المقاومة في دارفور فالحركة الوطنية رؤيتها واضحة من المنادين بوحدة صف المقاومة في دارفور اليوم قبل الغد . وهي من أولويات الحركة الوطنية  وسوف تظل تنادي بها الي ان تتحقق.
موسى يعقوب
امين الاعلام للحركة الوطنية لتحرير السودان
.

baba Call to day
Adam Bunga the King of Agreat Darfur's Singer
On 0020140786129

 

Copyright © 2009 Sudan National Liberation Movement All rights reserved